الرئيسية / أخبار سياسية / تابع وبلا وظيفة.. حالة علم الاجتماع بالعالم العربي

تابع وبلا وظيفة.. حالة علم الاجتماع بالعالم العربي

عمران عبد الله

تفتقر الساحة العربية للتقارير الدورية المتخصصة بعلم الاجتماع، ولا تكاد توجد إلا بشكل جزئي وغير منتظم، بحسب تقرير “حالة علم الاجتماع في العالم العربي.. رؤية نقدية بنائية” الذي صدر مؤخراً عن مركز نهوض للدراسات.

ورغم إنشاء “الجمعية العربية لعلم الاجتماع” عام 1985 فحتى الآن لم يتم إنشاء قاعدة بيانات للمتخصصين العرب في علم الاجتماع، بحسب أستاذ العلوم السياسية ومعد التقرير إبراهيم البيومي غانم.

وقسم التقرير الصادر مؤخرا لفصول ثلاثة تناول أولها حالة علم الاجتماع، والثاني قدم تحليلا نقديا لواقع العلوم الاجتماعية، وفي الفصل الثالث قدم غانم جملة من الأفكار اعتبر أنها تشكل خلفية لحوارات نظرية بين المتخصصين فيما أسماه “العلوم المشروعة” منتقدا تكريس الفصل بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية سواء على مستوى النظريات والمنهجيات أو المؤسسات والسياسات التعليمية.

عربي أم غربي؟
يبدأ الفصل الأول بتوصيف حالة علم الاجتماع بالمجتمعات العربية، معتبرا أنه حمل صفتين رئيسيتين هما التبعية للمدارس الغربية في مناهجها وأدواتها وكونه يفتقد الهدف العام لهذا العلم لدى غالبية المشتغلين به.

غانم: التبعية أبرز سمات علم الاجتماع بالعالم العربي (الجزيرة)

واستشهد التقرير بتصنيف أستاذ علم الاجتماع الراحل عبد الباسط عبد المعطي الذي صنف ما هو موجود بعلم الاجتماع العربي لأصناف هي: التآليف المترجمة، والترجمة المؤلفة، والبحوث المحاكية لمواضيع البحوث الغربية، والتأليف من أجل التدريس بلا إبداع، والترجمة من أجل التدريس.

ورصد عدم تغير أحوال علم الاجتماع العربي سواء على المستوى النظري والمنهجي أو التطبيقي والوظيفي رغم التحولات الهائلة التي مرت بها المجتمعات العربية خلال العقود الثلاثة الماضية بما في ذلك الربيع العربي، معتبرا أنه لم يشب عن نشأته التي كان عليها قبل مئة سنة.

واستشهد التقرير بعبارة تقرير اليونسكو لعام 2010 عن حالة العلوم الاجتماعية في مجتمعات شمال العالم وجنوبه الذي أوجز الحالة قائلا “في العالم العربي عدد كبير من الطلبة والجامعيين ذوي المواهب العالية في العلوم الاجتماعية لكن لا يكاد يوجد لديهم هدف محدد لبحوثهم”.

واعتبر التقرير الأممي أن النموذج الأنجلوساكسوني يغلب على المقررات الجامعية والبحوث بدول الخليج العربي، وبينما زادت عدد الجامعات الخاصة بمصر وسوريا والعراق لكن إسهامها في مجال البحوث الاجتماعية محدود للغاية.

وفي تونس والمغرب والجزائر، اعتبر التقرير أن جامعات تلك الدول تبنت النموذج الأوروبي خاصة الفرنسي في العلوم الاجتماعية وأسهمت سيادة اللغة الفرنسية والخلفية الاستعمارية في ذلك.

ولاحظ التقرير أن ما ينشره المختصون بالعلوم الاجتماعية في بلاد المغرب العربي من كتب أكثر مما ينشرونه في مجلات دورية محكمة، معتبرا أن الإسهامات الرصينة تظهر أكثر في الدوريات لا الكتب التي تختلط فيها الحسابات التجارية مع القيمة العلمية.

وكان تقرير اليونسكو قد أوصى بضرورة “كسب رهان الاستقلال عن التبعية الخارجية، وتعزيز المؤسسات الأكاديمية والجماعات العلمية المتخصصة في هذا المجال، واحترام أخلاقيات البحث الاجتماعي، والاهتمام بالمسائل النظرية والمنهجية، وإسهام هذه العلوم في الجدالات العلمية والتطبيقية العامة”.

لكن تقرير حالة علم الاجتماع العربي الصادر مؤخرا عن مركز “نهوض” يرى أن التوصيات تبدو متناقضة وبلا وجهة معرفية محددة، منتقدا غياب الإجابة عن سؤال المرجعية، وغياب الإشارة إلى جهود أسلمة العلوم الاجتماعية بما لها وما عليها، وقضايا التحولات السياسية والاجتماعية وصعود التيارات الإسلامية وتحولات الأجيال الشبابية في الفكر والسياسة ونمط الحياة الاجتماعية.

اللاوظيفية
واعتبر التقرير -الذي أعده الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية لربع قرن- أن علم الاجتماع العربي بمختلف فروعه يكاد يكون بلا وظيفة بمقياس التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي العام، بحيث لو تخيلنا عدم وجوده أصلا منذ نشأته وحتى الآن لما نقص ذلك من معرفتنا بأحوال مجتمعاتنا ومشكلاتها شيئا.

وأرجع غانم أسباب هذه الحالة المؤسفة لظروف نشأة علم الاجتماع العربي في الربع الأول من القرن العشرين عندما انتقل بمناهجه ومقرراته ومسائله وحتى أساتذته في بعض الأحيان إلى جامعات ومجتمعات البلاد العربية.

وانتقد الانفصال شبه التام بين القيم الدينية الإسلامية وقيم العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة، وهو ما أنتج المفاصلة بين نوعي العلوم.

وانتقد التقرير انفصال العلوم الاجتماعية العربية عن القيم الاجتماعية المحلية مما حرمها أهم مقومات فعاليتها في إنجاز مهمات التقدم الاجتماعي والحضاري، مدللا بغياب النظريات الموروثة والأصيلة عن منهجيات التأسيس الحديث للعلوم الاجتماعية مثل نظرية “المقاصد العامة للشريعة، المصلحة، الإجماع، الشورى، الذرائع” وغيرها.

وفي المقابل، ظلت منهجية النقل والترجمة مسيطرة منذ تأسيس علوم الاجتماع العربي وحتى بعد انقضاء مرحلة النشأة والبداية.

واعتبر التقرير أن ما أنتجه علم الاجتماع العربي الحديث لم يسهم في تقدم ونهضة المجتمعات، ولم يتعد نظريات “واهية الصلة بمشكلات المجتمع الذي ينتمون إليه، واتضح أنهم كانوا في أغلبهم وسطاء مترجمين ولم يكونوا علماء حقيقيين” مستثنياً القليل النادر “الذي لا حكم له”.

وفي الختام قدم معد التقرير توصيات اعتبر أنها تعيد وصل ما انقطع وتؤسس لعلوم ومعارف تخاطب قضايا الواقع وتجيب عن أسئلته الطازجة، مؤكدا فعالية العلوم الاجتماعية والإنسانية في أداء وظائفها إذا ارتبطت بالقيم والمبادئ والرؤى المعرفية المستندة إلى ثقافتنا وأصولها ومصادرها العليا.

ودعا إلى إعادة تقسيم العلوم إلى “علوم مشروعة وغير مشروعة” بدلا من التقسيم الحالي الذي يفصل بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية وحتى الطبيعية، معتبرا أن الأخير يستند لرؤية معرفية تفصل الديني عن الدنيوي.

وتضم “العلوم المشروعة” -بحسب تقسيم التقرير- علوم النظر والتجريب وعلوم الشريعة مثل التفسير والفقه والحديث والكلام وعلوم اللغة والمنطق وكذلك العلوم الإنسانية مثل الفلسفة والآداب والاجتماعية ومنها علم النفس والاجتماع والاقتصاد والتاريخ، وأخيرا العلوم الطبيعية.

بينما تشمل “العلوم غير المشروعة” كل المعارف التي تزدري المنطق والبرهان مثل السحر والتنجيم، وسماها معد التقرير علوما “تجاوزا” رغم أنها أقرب للخرافات.




Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *