الرئيسية / أخبار سياسية / الهريسة سيدة المطبخ التونسي.. هل تدخل قائمة اليونسكو؟

الهريسة سيدة المطبخ التونسي.. هل تدخل قائمة اليونسكو؟

محمد علي لطيفي-تونس

في رحلتها اليومية، تقصد الخالة آسيا بن محمود (50 سنة) الضيعات الفلاحية المجاورة لمدينة تسكراية، إحدى مدن الحكم المحلي التابعة لمحافظة بنزرت، لجني الفلفل لتحوّله فيما بعد إلى “الهريسة العربية” (أو الشطة ببعض الدول العربية)، وهي من أهم وأشهر البهارات التي تميز المطبخ التونسي.

تشدّ شراك حذائها الجلدي حتى لا تعرّض نفسها لخطر الأفاعي التي تختبئ بين الثنايا الطويلة لمحصول الفلفل، حيث تجمعُه عندما ينضج ثم تحوّله لمعجون الهريسة، لبيعه في السوق من أجل إعالة أسرتها المتكونة من خمسة أفراد.

وصفة سحرية
بعد ساعات تقضيها الخالة آسيا بين صفوف الفلفل الطويلة، تعود من رحلتها وهي تحمل على ظهرها النحيل كيسا ضخما من الفلفل، اختارته بعناية فائقة، لتشرع بعد ذلك في تجفيفه لأيام وأسابيع تحت أشعة الشمس الحارقة.

تحاول أن تشرح طريقة إعداد وتحضير الفلفل المكون الرئيسي للهريسة، وتقول إن العملية تتم أولا بتجميع الفلفل في عقود وسلاسل طويلة، ثم تنشر بعد ذلك على الجدران، أو تفرش على مفارش فوق السطوح، ويكون ذلك غالبا في فصل الصيف وتحديدا في شهر أغسطس/آب.

بسرعة وهي تنظف الفلفل، تقول الخالة آسيا للجزيرة نت بعد التجفيف يُشقّ الفلفل الأحمر ويستخرج منه لبّه، المكوّن أساسا من حبيبات صغيرة، وهي عملية تتطلب خفة اليدين.

وتضيف “يغسل الفلفل جيدا بالماء، قبل أن يطحن بالرحى النحاسية مرات عدة حتى يتم التخلص من الشظايا، ثم يضاف الثوم والزيت الطبيعي والملح، وهو ما يضفي نكهة طيبة للهريسة”.

 آسيا بن محمود تصنع الهريسة العربية (الجزيرة)

سيدة المطبخ التونسي
تجثو الخالة آسيا بركبتيها على الأرض، وتحكم قبضتها على المهراس النحاسي (الهاون النحاسي) من أجل دقّ الفلفل، ولا يزال المهراس رفيقها منذ سنوات طويلة إلى اليوم، في وقت تستعمل فيه نسوة الرحى الحديدية والكهربائية، التي حلت مكان تلك الآلة التقليدية وأزاحتها من المطبخ التونسي.

بعد دقائق من الدق المتواصل، تضع بقايا الفلفل في إيناء، ثم تخلطه في إيناء آخر بلوري متوسط الحجم، لقد أنهت الخالة آسيا إعداد الهريسة، ثم تشير بأصابعها وهي تردد “يمكن تناول الهريسة دون إضافتها للطعام، بعد أن يضاف إليها القليل من زيت الزيتون، حيث تعرف بمذاقها وطعمها المميز”. 

وتواصل الخالة آسيا حديثها وهي تبتسم لتؤكد للجريرة نت أن إعداد الهريسة نشاط ارتبط بالمرأة التونسية، فهي التي تقتني الفلفل من الأسواق الشعبية بعناية، ثم تحوّل الفلفل المجفف إلى هريسة تقليدية، تطبخ بها كل أنواع الأطباق التقليدية، مثل الكسكسي والعجة والكفتاجي واللبلابي وكل أنواع المرق.

في سياق متصل يقول ربيع عرفة، صاحب محل وسط العاصمة تونس، للجزيرة نت إن الهريسة تعد من أهم وأشهر البهارات التي تميز المطبخ التونسي حيث يقبل التونسيون على شرائها بشكل لافت للانتباه.

 تجفيف الفلفل ووضعه في بيوت مظلمة أهم مراحل صناعة الهريسة (الجزيرة)

فوائد غذائية وصحية
ويشتق التونسيون كلمة الهريسة من كلمة “الهرس”، في إشارة إلى عملية دق الفلفل بالمهراس النحاسي، كما تطلق أيضا عليها تسميات مثل الفلفل المرحي أو الهريسة الحارة أو الهريسة العربية.

ومن بين المناطق التي تشتهر بزراعة الفلفل مناطق الوطن القبلي ومناطق الشمال والوسط التونسي، إضافة إلى محافظات سيدي بوزيد وقفصة والقيروان، ويمثل الفلفل المصدر الرئيسي للهريسة، وهو نبات يعتمد كثيرا على الماء، ويزرع بكثافة في مدينة نابل، التي اشتهرت بتصديرها للهريسة.

وتعتبر الأخصائية في التغذية مريم كشك أن الهريسة التقليدية التونسية تتميز بفوائدها الصحية والغذائية الهامة، نظرا لتشبع نبتة الفلفل بالماء، فضلا عن احتوائها على نسب عالية من الفيتامينات.

وتضيف كشك أن الهريسة تعرف بوظائفها العلاجية، فهي تخفف من الالتهابات في الجسم، كما تعد أكبر مقاوم للزكام الذي ينتشر بكثرة في فصل الشتاء، وتساعد على حرق الدهون وتعزّز الدورة الدموية وتخفّض مستوى السكر في الدم وتقي من سرطان البروستات.

 الهريسة في أحد المحلات التجارية في تونس (الجزيرة)

عيد الهريسة
وتبادر مدينة نابل التونسية، شمال تونس العاصمة، والتي تشتهر بالهريسة النابلية، بتنظيم مهرجان سنوي للاحتفال بعيد الهريسة والفلفل للتعريف بها باعتبارها موروثا ثقافيا وتراثيا بلغت شهرته جميع البلدان العربية والغربية على حد سواء. 

ويقول الباحث في الثقافة الشعبية عماد صولة في حديثه للجزيرة نت، إن أصل الهريسة التقليدية أندلسي، وقد جلبه الموريسكيون الذين قدموا إلى البلاد التونسية بداية القرن السابع عشر فرارا من بطش الإسبان، كما جلبوا معهم العديد من العادات الغذائية التي ترسخت في تونس بعد أن استقروا في العديد من محافظاتها.

الهريسة واليونسكو
ويضيف صولة أن تونس قدّمت ملفا لإدراج الهريسة في قائمة التراث العالمي للبشرية والتي تعدها اليونسكو، فهي تعد من أهم البهارات الرئيسية في المطبخ التونسي نظرا لقيمتها ورمزيتها التاريخية وقيمتها الغذائية.

بدأت صناديق الهريسة العربية التي صنعتها آسيا بن محمود تنفد، حيث يزداد الطلب من الزبائن، في انتظار أن تجمع حاجتها للموسم القادم من هذه التوابل التي انتشرت شهرتها في جميع بلدان العالم.




Source link

اترك رد