الثلاثاء , مارس 26 2019
الرئيسية / أخبار سياسية / هل يعاني الإرهابي تارانت من مرض نفسي؟

هل يعاني الإرهابي تارانت من مرض نفسي؟

د. أسامة أبو الرب-الجزيرة نت

مع هجوم نيوزيلندا الإرهابي، الذي قام به الأسترالي برينتون تارانت (28 عاما) ضد المصلين خلال صلاة الجمعة في مسجدين بمدينة كرايست تشيرتش بنيوزيلندا الجمعة، وأدى لمقتل 50 شخصا وعشرات الجرحى، يُطرح تساؤل من قبل البعض عما إذا كان تارانت يعاني من مرض نفسي؟

وسنفحص هنا على الصعيد الطبي ودون تحيز مدى احتمالية أن تكون المجزرة التي ارتكبها برينتون تارانت نتيجة مشكلة نفسية.

تلعب وسائل الإعلام وخاصة الأفلام والمسلسلات دورا كبيرا في إرسال صورة مشوشة عن العنف والمرض النفسي، معطية انطباعا بأن الأشخاص المصابين بأمراض عقلية هم أكثر عرضة لارتكاب العنف.

ولكن الحقيقة ليست كذلك، وفي الواقع فإن الأفراد الذين يعانون من أمراض عقلية هم حقيقة أكثر عرضة ثلاث مرات من الشخص العادي ليكونوا ضحايا للعنف.

أقلية
على سبيل المثال وجد تحليل أجري عام 2004 لأكثر من 60 جريمة قتل جماعي في أميركا الشمالية أن 6٪ فقط من الجناة كانوا مصابين بالذهان (فقدان الاتصال بالواقع ونوبات الهذيان المفاجئ) وقت ارتكاب الجريمة.

وعندما يتعلق الأمر بإطلاق النار الجماعي فإن المصابين بأمراض عقلية يمثلون أقل من 1٪ من جميع جرائم القتل السنوية المرتبطة بالأسلحة، حسبما وجدت دراسة أجريت عام 2016.

وتشير دراسات أخرى إلى أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية لا يمثلون سوى 3-5 ٪ من إجمالي أعمال العنف في الولايات المتحدة، وهو معدل أقل بكثير من نسبة انتشار الأمراض العقلية في عموم السكان والتي تصل إلى 18%.

صحيح أن بعض حوادث إطلاق النار الجماعية وغيرها من أعمال العنف الوحشية يرتكبها أشخاص مصابون بأمراض عقلية خطيرة، ولكن هذه تشكل نسبة قليلة.

علاوة على ذلك فإن الكثير من أعمال العنف التي يرتكبها الأشخاص الذين يعانون من أمراض عقلية خطيرة هي مخالفات بسيطة، مثل الاعتداء اللفظي أو الضرب، وليس القتل.

وعادة ما يتم توجيه هذه الأعمال إلى شخص يعيش معه الجاني، وليس إلى غرباء، وكذلك ليس لأعداد كبيرة من الأشخاص.

أيضا تتطلب الهجمات الكبيرة مستوى عاليا من التخطيط والتنظيم، وهو أمر غالبا ما لا يمكن للمصابين بمرض عقلي خطير القيام به. كل هذا يبرر ما يراه الكثير من أطباء النفس، وهو أن دور الأمراض النفسية في العنف ضئيل للغاية.

ماذا عن تارانت؟
أما إذا أخذنا حالة تارانت، فإن تفاصيل الهجوم الإرهابي تستبعد أن يكون منفذه مصابا بمرض نفسي خطير، فالهجوم تم توجيهه إلى غرباء، وإلى عدد كبير. وتم التخطيط له بشكل متقن، من تحضير الأسلحة، وترتيب عمل بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي للهجوم. وانتقاله من مكان إلى آخر.

أيضا فإن إصرار تارانت على فعله بعد اعتقاله وعدم إظهاره الندم، يجعل من المستبعد أن يكون الهجوم ناتجا عن نزوة عصبية، بل هو خيار مخطط له وقرار مسبق.

وبالعكس، فقد برر تارانت هجومه متذرعا بالانتقام لضحايا هجمات ارتكبها مسلمون ومهاجرون في أوروبا. كما عبر في إفاداته عبر عن تأثره بأفكار كانديس أوينز، وهي  ناشطة أميركية داعمة للرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وقال تارانت: “كل مرة تتحدث فيها أذهلتني أفكارها، وساعدت آراؤها في دفعي إلى الأمام أكثر فأكثر نحو الاعتقاد باستخدام العنف مقابل الخنوع”.

وتبلغ أوينز من العمر 29 سنة، وكانت في تصريحات سابقة استشهدت بما قام به الزعيم النازي أدولف هتلر.

وقالت في تصريحاتها الشهر الماضي “عندما نقول القومية أول ما يفكر فيه الناس -على الأقل في أميركا- هو هتلر. لقد كان اشتراكيا قوميا، إذ أراد أن يجعل ألمانيا عظيمة وأن تسير الأمور بشكل جيد.”

وأثناء عرض تارانت على القضاء صباح السبت كان هادئا صامتا مبتسما، وتم الكشف عن أنه كان ينوي مواصلة هجماته قبل أن تعتقله الشرطة.

وأظهرته الصور وهو يشير بعلامة “القبول” بيده أثناء مثوله أمام المحكمة، في إشارة تستخدم لتأييد أيديولوجية تفوّق العرق الأبيض.

كل المعطيات السابقة تستبعد أن يكون تارانت قام بعمله الإرهابي نتيجة مرض عقلي.

ازدواجية المعايير
النقطة المهمة هنا هي المعايير المزدوجة كما يرى البعض، فحجة المرض النفسي يتم طرحها واستخدامها في حالات العنف التي يكون فيها المهاجم غير مسلم، أو ليس من منطقة الشرق الأوسط أو عربيا، وذلك لتلافي استخدام كلمة إرهابي. أما إذا كان المهاجم مسلما فإن التساؤلات عن حالته النفسية تختفي، ليتم استخدام كلمة “إرهابي” و”متطرف” مباشرة.

فالمهاجم المسلم هو سليم عقليا تماما، وارتكب هجومه بفعل أفكاره السوداء المتطرفة. أما المهاجم غير المسلم فهو مريض نفسيا، هو ضحية المرض النفسي ورؤية المهاجرين وهم يتدفقون إلى بلاده مما جعله يشعر بالكراهية التي أثرت على صحته النفسية ودفعته لارتكاب المجزرة، فهو ضحية، مثله مثل الذين قتلهم!

ونشير هنا إلى منشورات لافتة لاستشاري الطب النفسي الدكتور وليد سرحان على صفحته على الفيسبوك، معلقا على هجوم نيوزيلندا، والذي قال “رهاب الإسلام محاولة لإعطائه معنى لطيفا” و”كراهية الاسلام وقتل المسلمين ليس له اسم إلا الإرهاب” و”ترديد إسلاموفوبيا لترسيخ أن الإرهابي خائف والأصح هو كراهية الإسلام”.

قد يكون تارانت مريضا، ولكن مرضه قد يكون في الحقيقة هو العنصرية والكراهية ورفض الآخر، والاعتقاد بأن الآخر لا يستحق العيش.




Source link

اترك رد